للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 17 يونيو، 2013

أوباما وبوتين على ضفاف نهر الروبيكون




- I -
حين عبر يوليوس قيصر نهر الروبيكون (وهو نهر ضحل شمال شرق إيطاليا) العام 49 قبل الميلاد، تحتم عليه المضي قدماً للزحف على روما. ومن حينها بات تعبير "عبور الروبيكون" يعني نقطة اللاعودة.

شبح بوتين خلال مداولات البيت الأبيض (الصورة المركبة من غوغل

فهل عبر الرئيس أوباما نهر الروبيكون بقراره تسليح المعارضة السورية، وبات عليه المضي قدماً حتى النهاية في الانغماس في هذه الأزمة؟
السؤال يبدو منطقياً للغاية، لأن هذا الرئيس بذل جهوداً مضنية طيلة السنتين الماضيتين لتجنب أي تورط في هذه الحرب. وهذا شمل ليس فقط التشكيك بالتقارير الغربية والدولية المقنعة عن استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي، بل أيضاً "استجداء" موسكو للعمل على إيجاد حل سياسي للأزمة.
بيد أن كل هذه الجهود ذهبت هباء منثوراً. والسبب الرئيس لم يكن تقارير أجهزة الاستخبارات الأميركية التي أكدت استخدام النظام السوري لغاز السيرين "في العديد من الحالات"، بل الاندفاعة الكبرى التي قامت بها إيران وحليفها حزب الله في العمليات العسكرية في سورية، والتي وصفتها "فايننشال تايمز" عن حق أنها كانت بمثابة خرق "الخط الاحمر" الثاني الذي رسمته واشنطن بعد الخط الأحمر الكيميائي.
والآن، وبعد أن وُضع التدخل الأميركي في سورية أخيراً على نار حامية، هل سيكون أوباما مجبراً على السير قدماً نحو روما (إقرأ دمشق)؟
- II -

ليس بعد.
إذ لايزال في كم أوباما ورقة لما يلعبها بعد: الضغط على الرئيس الروسي بوتين خلال قمتهما في شمال إيرلندا الأسبوع المقبل لدفع التسوية السياسية قدما، وإلا فإن الولايات المتحدة ستكون مضطرة إلى تصعيد تدخلها في سورية.
الكرة الآن ستكون في ملعب بوتين، الذي سيكون عليه أن يقرر ما إذا كان الرئيس الأميركي جاد في  تهديداته الخاصة بالانغماس في الأزمة السورية، أم أنه يستخدمها كمجرد ورقة لممارسة الضغط عليه.
والحال أن قرار بوتين لن يكون سهلا. فهو، من جهة، يبدو سعيداً بالانجازات العسكرية الأخيرة التي حققها النظام السوري بدعم قوي ومباشر من إيران وحزب الله، ويتمنى بالطبع أن تتوافر الفرص لمواصلة هذا التقدم وصولاً إلى إعادة السيطرة على مدينة حلب. وهو، من جهة أخرى،  يخشى بالفعل أن يكون تقدّم أوباما المتردد نحو التدخل، بداية لسلسلة مضاعفات غير مقصودة تدفع واشنطن في النهاية إلى التورط الكامل .
الخيط الأبيض من الأسود سيبين خلال قمة مجموعة الثماني الكبار الحالية، التي تحتل فيها الأزمة السورية مركز الصدارة، خاصة وأن بريطانيا وفرنسا ستجدان في القرار الأميركي بتسليح المعارضة السورية دفعة قوية لجهودهما لتدخل غربي أكثر فعالية في الحرب.
وهذا لن يجعل بوتين وحده محاصراً هذه المرة بموقف غربي شبه موحّد، بل سيسفر أيضاً عن محاصرة أوباما نفسه لمنعه من التراجع عن خطوة التدخل. فـ"دخول حمام" الأزمة السورية ليس كالخروج منه، كما يقول المثل الشعبي.
- III -
لكن، إلى أين الأزمة السورية في حال لم يستجب بوتين لضغط أوباما، أو أنه لن يكون قادراً على كبح جماح حلفائه السوريين والإيرانيين؟
إلى أحد سيناريوهين:
إما إلى أفغنة مديدة لسورية تتوزع فيها نحو 300 ميليشيا ( بما فيها ميليشيات النظام ووحدات حزبي الله اللبناني والعراقي) من مختلف الأصناف والأنواع السيطرة على أجزاء من البلاد على أسس مذهبية وطائفية وعرقية، وتكون كلٌ منها تابعة إلى قوة إقليمية ودولية.
أو امتداد الصراع ليصبح إقليمياً على طراز ماجرى في الهند الصينية في ستينيات القرن العشرين، حين تمددت الحرب الفيتنامية لتبتلع كمبوديا ولاوس. وحينها، سيتحوّل الهلال الخصيب برمته إلى مرتع لحروب دولية- إقليمية سيكون الهدف الحقيقي منها التأثير على تشكيل النظام العالمي الجديد.
أما التسوية السياسية الداخلية فهي، من أسف، لاتبدو في الأفق القريب، لأنه لا النظام ولا الجزء الأكبر من المعارضة ولا القوى الإقليمية النافذة تبدو مقتنعة بأن الحل السلمي هو المخرج الوحيد من الكارثة الراهنة.
على أي حال، الكثير سيعتمد على نتائج اجتماع أوباما- بوتين اليوم، لنرى ما إذا كان الأول عبر نهر الروبيكون بالفعل في مجال الانغماس في لجج الأزمة السورية، أم أنه أنه لايزال ينتظر الثاني على ضفة النهر!

سعد محيو






الخميس، 13 يونيو، 2013

من القصير إلى حتلة: الحريق المذهبي يلفح وجه لبنان



- I -
السؤال الذي يقضّ مضاجع كل اللبنانيين هذه الأيام هو بالطبع: هل التحق لبنان أخيراً بالحريق الهائل السوري (وربما قريباً العراقي)؟
قبل محاولة الإجابة، ملاحظة تاريخية سريعة، لكنها ملفتة: هذا الوطن الصغير كان طيلة زهاء قرن ونصف القرن، أي منذ حربه الأهلية الأولى العام 1840، الساحة الرئيس التي جرى فيها خوض الصراعات الدولية- الإقليمية إما لنسف النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، أو لإقامة نظام جديد مكانه.
وحين كانت "حروب الأخرين" هذه تنفجر على أرض لبنان، كانت توفّر على بقية البلدان المجاورة مؤونة دفع أثمان بروز الامبراطوريات أو زوالها، فتهنأ هي بالهدوء فيما لبنان يشتعل بالحروب والأزمات (ذات الطابع الخارجي أساسا) كل عشر سنوات تقريبا. وهذا مادفع  رجل الدولة النمساوي الشهير ميترنيخ إلى وصف لبنان بأنه "هذا البلد صغير، لكنه عظيم الأهمية".
حسنا. الصورة انقلبت الآن للمرة الأولى منذ 173 سنة. فلبنان هاديء نسبياً حتى الآن، والعديد من دول المنطقة إما انفجرت (سوريا) أو هي في طريقها إلى الانفجار (العراق، مصر، إيران، الأردن.. ألخ). وهذا بالتحديد مايجعل اللحظة التاريخية الراهنة في بلاد الأرز مدهشة، ولكن مثيرة للقلق أيضا: هل يمكن لهذا الاستثناء التاريخي أن يستمر؟
- II -
ثمة نظريتان متناقضتان هنا:
الأولى تقول أن النيران الإقليمية المشتعلة لابد أن تصل في النهاية إلى لبنان. فما يجري الآن في المنطقة لايقل عن كونه ليس فقط نسفاً لأنظمة مابعد الحربين العالميتين الأولى والثانية الثانية، بل ربما أيضاً إعادة رسم للخرائط ولطبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
فضلاً عن ذلك: المجابهات من البحرين والمنطقة الشرقية السعودية واليمن، إلى العراق وسورية، تدور كلها في إطار ما أسماه البعض "الفتنة الكبرى-2" بين السنّة والشيعة، بعد أن وصل هؤلاء الأخيرين إلى السلطة في دولتين عربيتين (العراق ولبنان) للمرة الأولى منذ سقوط الخلافة الفاطمية العام 1173، أو في سياق مايسميه البعض الأخر "حروب الهلالين السنّي والشيعي" في الشرق الأوسط.
وهنا قد يفيد تذكُّر ما نُقِل عن السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله"  قبل سنوات قليلة من أن الاميركيين وغيرهم عرضوا عليه قبل فترة شيئاً شبيهاً بـ "الهلال الشيعي"؛ وأن رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري أبلغه  أنه تلقى هو الأخر عرضاً بإقامة "هلال سنّي " ينطلق من وسط العراق ليضم  الأردن ومعظم سوريا وأجزاء كبيرة من لبنان.
النظرية الثانية تعتقد أن لبنان لايزال قادراً على تجنّب الحريق الإقليمي الراهن. فهو قد يشهد اضطرابات أمنية، لكنها لن تصل إلى مستوى الحرب الأهلية.
لماذا؟
لأن الأطراف السياسية الرئيسة فيه، من حزب الله إلى تيار المستقبل، لامصلحة لها في خوض حرب أهلية في لبنان لن تسفر عن أي تغيير جذري في موازين القوى. ولذا فهي تبدو قانعة بخوض حروب بالواسطة (  Proxy wars) في سورية، وبمنع تمدد هذه الحرب إلى لبنان.
هذا العامل الذاتي الداخلي الرافض للتفجير يتقاطع، برأي أصحاب هذه النظرية، مع عامل دولي يتمثّل في منع تحوّل الحرب السورية إلى حريق إقليمي شامل لايمكن ضبطه أو التحكُّم بأبعاده، الأمر الذي قد يفرض مخاطر جمة على الأمن الإسرائيلي كما على المصالح الغربية.
لابل يقول هؤلاء أن اكتشاف الغاز والنفط بكميات ضخمة في لبنان، هو أيضاً من العوامل التي تحصّنه دولياً ضد الانفجار.
- III -

أي النظرتين الأقرب إلى الصحة؟
النظرية الثانية، لكن حتى الآن على الأقل.
إذ في حال تفجّر العراق مجدداً وانهار الوطن السوري ككيان سياسي موحّد، سيكون هذا بمثابة عاصفة كاملة لن يستطيع لبنان مهما فعل تجنُّب الوقوع في أتونها.
هذا إضافة إلى أن التورط الكامل لحزب الله في الحرب السورية، دشّن مرحلة تاريخية جديدة في الشرق الأوسط باتت فيها الأقليات الشيعية في مواجهة مباشرة مع الأكثريات السنّية. والمذبحة التي ارتكبت في قرية حتلة الشيعية شرق سورية، والتي يبدو أنها كانت رداً على مشاركة الحزب في إسقاط بلدة القصير، قد تكون أحد معالم البدايات الخطيرة الأولى  لصدام مروِّع بين السنًة والشيعة سرعان سيمتد لهيبه إلى لبنان.
سعد محيو

الأربعاء، 12 يونيو، 2013

حلب، حلب، حلب



- I -
حلب ستصبح "عاصمة" الشرق الأوسط الكبير ومابعده أيضا.
هذا ماستكون عليه الأمور خلال أيام أو حتى ساعات. والسبب لايعود بالطبع إلى أن هذه المدينة الأقدم في العالم والتي يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل المسيح، والتب تعتبر الأكبر في المنطقة بعد اسطنبول والقاهرة، ستستعيد مجدها الغابر الذي ساد قبل فتح قناة السويس في القرن التاسع عشر وقبل أن تسيطر تركيا الأتاتوركية على ثغورها على البحر المتوسط، بل لأن الحرب (من أسف) ستجعلها محور صراع إقليمي- دولي يُتوقع له أن يكون عنيفاً وطاحناً وضروسا.
فإيران، التي وضعت كل ثقلها مؤخراً في الحرب الأهلية السورية، قاذفة إلى أتونها أهم ورقة استراتيجية لها (حزب الله) في موازين القوى مع إسرائيل، ستحاول الآن نقل استراتيجية اقتحام القصير الناجحة في القصير إلى حلب. وهذا واضح من خلال ماقاله قائد عسكري من حزب الله لـ"فايننشال تايمز" اليوم من أن هذا الأخير جاهز للمشاركة في "عاصفة الشمال" التي ينوي النظام السوري شنّها على المدينة.
والغرب سيكون عليه ان يقرر سريعاً ما إذا كان سيواصل ممارسة الصمت على التدخل الإيراني الكثيف في سورية، أم سيتحرك بسرعة لدعم المعارضة المسلحة في حلب. وهذا قد يتوضح اليوم بعد أن ينجز البيت الأبيض مشاوراته المكثفة حول مسألة تسليح المعارضة، أو فرض منطقة حظر جوي في شمال سورية، أو العودة إلى "استجداء" موسكو للاسراع في عقد مؤتمر دولي لا أمل له لا في النجاح ولاحتى في فرص الولادة بعد التطورات العسكرية الأخيرة.
كما قد تتضح الأمور أكثر حين تبرز حصيلة المحادثات المهمة التي جرت أمس بين القادة الفرنسيين والسعوديين، والتي ألمح بعدها وزير الخارجية الفرنسي فابيوس أنه "لايمكن السماح لإيران بالانتصار".
إلى ذلك، ينبغي أيضاً انتظار الموقف الذي ستتخذه روسيا، في حال قررت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والدول الخليجية وتركيا الرد على الانتصارات الاخيرة التي حققتها إيران في وسط سورية، عبر إلقاء ثقلها إلى جانب المعارضة المسلحة.
- II -
حلب، إذا، مرشحة لأن تكون النقطة التي ستتكثف فيها كل الصراعات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. وعامل الوقت هنا سيكون حاسما.
فإذا ما تلكأ الغرب، كما كان يفعل حتى الآن، في موازنة الانحياز الإيراني- الروسي التام إلى جانب النظام السوري، فإن إيران وحلفاءها الشيعة اللبنانيين والعراقيين قد يجدون الفرصة مؤاتية للانقاض السريع على حلب.
وعلى رغم أن هذه المدينة الكبيرة، التي كان يقطنها قبل الحرب 2،5 مليون نسمة والتي كانت تقع في نهاية طريق الحرير الشهير بين آسيا الوسطى وبين بلاد مابين النهرين، لن تسقط خلال أسبوعين او ثلاثة كما حدث لبلدة القصير، إلا أن صمود المعارضة فيها في وجه التكنولوجيا الروسية والإيرانية الحديثة التي يستخدمها النظام السوري وحزب الله (الطائرات من دون طيار، المدافع الموجّهة بالرادار، القذائف الذكية، الخبرات العسكرية المستقاة من حربي الخليج ولبنان.. ألخ)، سيكون أكثر صعوبة من ذي قبل.
أما إذا ماوصلت المساعدات العسكرية الغربية والخليجية بالسرعة اللازمة، ستتعرض إيران وحزب الله إلى حرب استنزاف منهكة للغاية، يتوقع أن يدفع هذا الأخير (الحزب) أثمانها الفادحة بسبب محدودية عديده البشري مقارنة بعديد الجيش السوري الحر وسنّة البلاد.
وهذا يعني أن مصير حلب، ومعه مصير النفوذ الإيراني في سورية وباقي أرجاء الهلال الخصيب، بات متعلقاً إلى حد كبير على عامل الزمن، وعلى سرعة اتخاذ القرارات الحاسمة. والأمر الأخير يتعلّق بالدول الغربية وحدها، لأن إيران اتخذت قرارها الاستراتيجي في الغوص حتى النهاية في لجج الحرب السورية تحت الشعار الشهير "ياقاتل يا مقتول".
الأمر منوط بنوع لون الدخان الذي سيخرج اليوم من مداخن البيت الأبيض، وما إذا كانت سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي الجديدة، ستنجح في إقناع الرئيس أوباما المتردد بأنه مالم يتحرك سريعاً للحد من التقدم الإيراني في سورية، فإنه سيخاطر بخسارة النفوذ الأميركي ليس فقط في سورية والهلال الخصيب بل أولاً وأساساً لدى دول الخليج العربية. إذ أن هذه الأخيرة ستكون حينذاك محقة بأن تشعر بالقلق على وجود أنظمتها من جراء ضعف المظلة الأميركية التي تحميها من النفوذ الإيراني، وأن تبدأ البحث لدى الدول الكبرى الأخرى عن مظلات أخرى أكثر أمنا.
وفي حال حدوث ذلك، ستكون الصين وروسيا والهند وبقية منظومة مجموعة العشرين أكثر من مستعدة لملء الفراغ الأميركي المحتمل.
- III -

كل الأنظار إلى حلب.

سعد محيو